أبو الليث السمرقندي

72

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ والصلاة من اللّه الرحمة والمغفرة ، ومن الملائكة - عليهم السلام - الاستغفار . يعني : أن اللّه عز وجل يغفر للنبي ، ويأمر ملائكته بالاستغفار والصلاة عليه . ثم أمر المسلمين بالصلاة عليه فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة أنه قال : قلنا يا رسول اللّه كيف نصلي عليك ؟ فقال : « قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد » إلى آخره . وروى أبو هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « صلّوا عليّ ، فإنّ الصّلاة عليّ زكاة لكم واسألوا اللّه لي الوسيلة » . قالوا : وما الوسيلة ؟ يا رسول اللّه ؟ قال : « أعلى درجة في الجنّة لا ينالها إلّا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو » . وروى أنس بن مالك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من صلّى عليّ واحدة ، صلّى اللّه عليه عشر صلوات ، وحطّ عنه عشر خطيئات » . ويقال : ليس شيء من العبادات أفضل من الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، لأن سائر العبادات أمر اللّه تعالى بها عباده . وأما الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقد صلى عليه أولا هو بنفسه ، وأمر الملائكة بذلك ، ثم أمر العباد بذلك . ثم قال : وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً يعني : اخضعوا له خضوعا . ويقال : ائتمروا بما يأمركم اللّه تعالى . ويقال : لما نزلت هذه الآية ، قال المسلمون : هذا لك فما لنا فنزل : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [ الأحزاب : 43 ] . ثم قال عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني : اليهود والنصارى حيث قالوا : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [ المائدة : 64 ] ونحو ذلك من الكلمات ، ويقال : أذاهم اللّه وهو قولهم : للّه ولد ونحو ذلك . وإيذاءهم رسوله أنهم زعموا أنه ساحر ومجنون لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا يعني : عذبهم اللّه في الدنيا بالقتل والسبي وَالْآخِرَةِ بالنار . ويقال : هم الذين يجعلون التصاوير . ويقولون : تخلق كما يخلق اللّه تعالى وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً يهانون فيه . ثم قال عز وجل : وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا يعني : بغير جرم فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً يعني : قالوا كذبا وَإِثْماً مُبِيناً يعني : ذنبا بيّنا . قال مقاتل : قال السدي : نزلت هذه الآية في أمر عائشة وصفوان . ويقال : في جميع من يؤذي مسلما بغير حق . وقال عثمان لأبي بن كعب : إني قرأت هذه الآية : وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ فوقعت مني كل موقع ، واللّه إني لأضربهم وأعاقبهم . فقال له أبي : إنك لست منهم ، إنك مؤدب معلم . قوله عز وجل : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وذلك أن المهاجرين نزلوا في ديار الأنصار ، فضاقت الدور عليهم . وكن النساء يخرجن بالليل إلى التخلي يقضين حوائجهن . كان الزناة يرصدون في الطريق ، وكانوا يطلبون الولائد ، ولم يعرفوا المرأة الحرة من الأمة بالليل .